التصنيف: وجهات نظر

  • ليت الزمان يعود

    كنا صغارا عشنا الماضي بكل تفاصيله كان زمان لا يشبه الأزمنة، ولا يقاس عليها، ولا يستعاد إلا في رجفة حنين عابرة، تمر بالقلب كما تمر نسمة على أطلال دار قديمة.

    لم تكن تمر بنا تلك الأيام صامتة كما تفعل الآن، بل كانت تسبقنا بعطرها، وتعلن حضورها في أرواحنا قبل أن تحل في ساعاتنا. كان للماضي الجميل عبير خاص، لا يشبه عطرا يشترى، ولا يحفظ في قارورة، بل يولد في القلب ويقيم فيه طويلا.

    كان زمنا له بريق أخاذ لا ينطفئ، وإن غاب عن العيون بريقه لم يكن في ذهب ولا في زخرف، بل في صفاء الأرواح، في ضحكة تخرج من الأعماق بلا حساب، في دمعة سريعة تجف سريعا لأن الحزن يومها لم يكن يعرف طريق الإقامة في قلوبنا الصغيرة. كان زمن النقاء والألفة، زمنا تتعانق فيه القلوب قبل الأيدي، وتتصافح فيه الأرواح قبل الأجساد.

    كانت تفاصيل الحياة الصغيرة تتعلق بأذهاننا كما تتعلق قطرات الندى بأطراف الزهر. لا تسقط بسهولة، ولا تذبل سريعا كان للطفولة أنف آخر، أنف يرى كنا لا نشم الأشياء فحسب، بل نلمسها بأرواحنا. كانت الأيام تعرف من رائحتها قبل أن تعرف من أسمائها، وكان الزمن يمر علينا عطرا، كأنه يحمل في جيوبه أسرارا صغيرة يسكبها في صدورنا كلما اقترب.

    كانت للصباح الباكر رائحة لا تشبه سواه حين تفتحه أمهاتنا بالدعاء، رائحة البيوت حين يغمرها دفء الألفة، رائحة الطرقات التي شهدت خطواتنا الأولى، وضحكاتنا التي كانت ترتفع صافية كأنها لا تعرف سوى الفرح.

    رائحة الندى حين يفتح عينيه على العشب، ورائحة الخبز حين يخرج دافئا من تنور الأمهات، ورائحة الطرقات وهي تتثاءب قبل ازدحامها. كنا نخرج إلى الضوء ونحن نحمل في صدورنا هواء جديدا، نظنه خلق لتوه من أجلنا، فنمشي بخفة الطيور، ونضحك دون سبب، كأن النهار وعد شخصي لنا وحدنا.

    وكانت للقيلولة عبيرها الخاص؛ رائحة الهدوء وهو ينسدل على الجدران، رائحة الوسائد التي حفظت أسرار أحلامنا، ورائحة البيوت حين تستكين تحت شمس الظهيرة. كنا نغفو لا لأننا تعبنا، بل لأن العالم صار أليفا إلى حد يسمح لنا أن نغلق أعيننا مطمئنين، نترك الزمن يحرسنا، ونغيب في أحلام بيضاء لا تعرف القلق.

    ثم تأتي رائحة ما بعد العصر؛ رائحة اللعب في الأزقة، والغبار العالق بثيابنا، وعرق البراءة وهو يمتزج بضحكاتنا العالية. كان للغروب مذاق دافئ، كأن الشمس تودعنا بحنو أم، وتعدنا بلقاء قريب. وكانت خطواتنا إلى البيت مثقلة بنشوة صغيرة، لا نعرف لها اسما، لكنها كانت تسكننا طويلا.

    ولنهاية الأسبوع عطر آخر؛ رائحة الاستيقاظ المتأخر، ورائحة الزيارات العائلية، والقهوة التي تعد على مهل، والوقت الذي يتمدد بلا خوف. كان الزمن في تلك الأيام كريما، يفتح ذراعيه لنا، فلا نحسب ساعاته، ولا نخشى انقضاءه. وكأن الحياة كانت تقول لنا: خذوا مني ما شئتم، فأنا واسعة بما يكفي لأحلامكم.

    أما رائحة الدخول المدرسي، فكانت مزيجا من رهبة وفرح؛ رائحة الكتب الجديدة، والدفاتر البيضاء، والمآزر المكوية بعناية. كنا نشم في الورق مستقبلا لا نراه، ونستقبل عاما كاملا بقلب يخفق كما يخفق باب يفتح على المجهول. كانت المعرفة آنذاك عطرا، وكانت الحروف حدائق صغيرة نتنزه فيها دون خوف.

    وكان لرمضان نسيمه الخاص؛ رائحة السحور في آخر الليل، والبيوت التي تستيقظ على همس الدعاء، ورائحة الموائد حين تجتمع حولها القلوب قبل الأجساد. كنا نشم في الهواء روحا مختلفة، كأن السماء تقترب من الأرض قليلا، وكأن الرحمة تمر بين الأزقة في صمت مهيب.

    ثم تأتي رائحة العيد؛ عطر الملابس الجديدة، والحلوى، والقبلات المتبادلة، والنقود التي تعطى بأيد باسمة. كان الفرح يومها محسوسا، يشم كما يرى، ويسمع كما يلمس. كنا نركض بين البيوت ونحن نحمل العيد في جيوبنا، وفي أعيننا، وفي قلوبنا الصغيرة التي لم تعرف بعد معنى الفقد.

    ثم فجأة… اختفى كل شيء.

    أين ذهبت تلك الروائح؟ أضاعها الهواء، أم أضعنا نحن قدرتنا على التقاطها؟

    أكبرنا حتى بهتت حواسنا، أم ثقلت أرواحنا فلم تعد خفيفة بما يكفي لتشم التفاصيل؟

    ربما لم تختف الروائح، بل اختفت دهشتنا. كبرنا، فصار الصباح موعدا للعمل لا معجزة يومية، وصارت القيلولة ترفا نادرا، وغابت الأزقة خلف شاشات مضيئة. صار الدخول المدرسي مسؤولية، لا مغامرة، وصار رمضان عادة أكثر منه انتظارا، وصار العيد محطة عابرة في جدول مزدحم.

    كبرنا، فتعلمنا الحساب… وخسرنا الدهشة.

    تعلمنا أن نسرع، ففاتتنا الأشياء الصغيرة التي كانت تمنح الحياة عطرها. لم تضعف حواسنا بقدر ما ازدحم قلبنا. امتلأنا بالهموم حتى لم يبق مكان لرائحة الخبز، ولا لنسمة الندى، ولا لورق الكتب الجديدة.

    ليت الزمان يعود نقولها ونحن نعلم أن الزمن لا يعود، لكنه يبتسم في مكان ما داخلنا. فالطفولة ليست مرحلة مضت، بل قدرة على الشعور. وإذا استطعنا أن نخفف عن أرواحنا ثقل الأيام، وأن نبطئ خطونا قليلا، وأن نمنح اللحظة حقها من الانتباه، ربما عادت الروائح إلينا لا كما كانت، بل كما ينبغي أن تكتشف من جديد.

    الماضي لا يعود كما كان، لكنه لا يرحل تماما. يسكننا، يشكلنا، ويمنحنا جذورا في أرض الذكريات. تلك التفاصيل العالقة في أذهاننا ليست عبئا، بل عزاء؛ تذكرنا بأننا عشنا زمنا صافيا، وأن في أعماقنا نسخة أنقى من أنفسنا، لم تفسدها صخب الحياة.

  • كلمات مؤثرة تستدعي التدبر العميق

    الفنان الشهير الاستاذ. علي المفيدي “رحمه الله” اشتهر بعبارة مؤثرة ذكرت بعد رحيله، حيث قال: من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد.

    بعد مشاهدة الجمهور إلى حوار في احدى القنوات التلفزيونية، قالوا: كانت استضافتك جميلة لسعيد صالح، لكن سمعنا أنه اتجه إلى الله تعالى، يصلى الفروض في وقتها، ويحج كل سنة، وكثيراً يسافر إلى أداء العمرة.

    عند سماعنا إلى كلمات الفنان الشهير الاستاذ. سعيد صالح “رحمه الله” بما معناه: كنت في السجن مشغول جداً، عندما تقوم زوجتي (أم هند)، وابنتي (هند)، وصديقي الفنان “الشهير” عادل إمام أو أحد من أصحابه بزيارته، أقوم بتقليل الوقت معهم بالجلوس ويحاول انهاء المقابلات بسرعة، ويضيف لهم، أنا مشغول جداً وأنتم تقومون بتعطيل أعمالي في داخل السجن.

     ويتابع: أنه قبل لا يخرج من السجن بعشرة أيام، حدث لي اكتئاب. قلت: أخرج أروح فين؟ أنا في السجن محروس، والناس حرسني، وبأكل وبشرب، وصحتي زي الفل. قبل الدخول إلى السجن كان الوزن 62 كيلوجرام، وفي السجن أصبح 82 كيلوجرام. وبلعب كرة وبعمل رياضة، وبقرا القران الكريم وبعمل أعمال خيرية كثير.  فكنت مشغول جداً.

    أروح برة أعمل ايه؟، في السجن أعرف “ذا عنبر المخدرات، ذا عنبر الآداب، ذا عنبر قتالين القتلة “المجرمين”، عارف كل مجرم، انما برة “خارج السجن” مش عارف من المجرم، كلهم شبه بعض.

    لدرجه انه اقترح، أن تكون لوحه السجن ووصف الجريمة، أن تكون من الداخل بالزنزانة، نحن نستطيع قراتها. والأشخاص والعالم خارج اسوار السجن، هم السجن الحقيقي.

    كنت أكثر حرية داخل السجن، عندما اتجهت الى ربنا واقتربت أكثر، أعطني صبر جميل. وأقوم بقرائه قصص الأنبياء، قصة سيدنا النبي يوسف عليه السلام، والصبر الذي صبرة، سبع سنوات بالسجن. طيب انت مين مقارنه بالأنبياء “عليهم السلام”؟ تأكل وتشرب وتنام، وتعمل ايه؟

    بالعكس، كان السجن، فترة تفرغ، عرفت أشياء كثيرة عن الدين. وأصبحت أكثر قوة من قبل. وأصبحت مدرك قيمة الأشياء بشكل أكبر. كما تشير المعلومات، دخل الفقيد السجن بسبب خروجه عن النص في الاعمال الفنية، التي يؤكد بها الفقيد ان الخروج من النص كان ابداع يستمع به الجمهور العربي حول العالم بالضحك الكبير.

    ولو انتقالنا الى حديث المفكر. علي الهويريني “رحمه الله” يقول: لم اسمع بخطبة أو تعاليم عن إقامة الصلاة، إقامة الصلاة ليست بالمسجد، إذا خرجت من المسجد هل تقيم ما عهدت الله عليه؟ إقامة الصلاة تعنى: إذا وقفت وقلت وذكرت “الله أكبر، إياك نعبد وإياك نستعين” قد قلتها وسجلت واجلت، وحضرت في يوم لا ريب فيه، ووضع الكتاب. قد قلتها ما شاء الله أن تقول، وحينما خرجت ماذا فعلت؟ إذا خرجت من باب المسجد، حلفت بغير الله، وسلمت القدر إلى الجن والعين والسحر، ف أيها إياك نعبد، وأيها إياك نستعين؟ اقم قيامك كي لا يكون غاشية، طعام ضريع، لا يسمن ولا يغني من جوع. كذلك الركوع، من قال “سبحان ربي العظيم” فقد شهد على نفسه بعظمه الله، إذا خرج من باب المسجد، يدخل يده في جيبه لينظر: هل تخرج بيضاء من أموال الناس؟ هل يبر والده؟ هل يسلم جاره بوائقه؟ هل يمط عن الطريق عائقه؟ فمن هو العظيم؟!!! سبحان ربي العظيم. فهذه تدعى الشهادات الأربع في الصلاة: شاهدة الخلي على نفسه: أن الله واحد، وانه عظيم، وانه عليم، وان له رسول يطاع بأمره.

    واخيراً، الشخصية التي اشتهرت بكثير من الاعمال الاجتماعية، والثقافية والخيرية … رجل الأعمال والشاعر. عبد العزيز البابطين “رحمه الله”. ذكر جمله بسيطة ولكنها في غاية الأهمية: عندما يقرأ الانسان بغض النظر عن أمره، يعيش أمر آخر غير الامر الذي يعيشه اليومي. فليستفيد من تجارب الآخرين لتكون مستقبله.  وبالاهتمام الأكبر بالقراءة، أقرا ثم أقرا ثم أقرا. ولذلك الكثير من مقالاتي وكتبي المنتشرة، تسلط الضوء على التعليم والأبحاث العلمية والقراءة بشكل كبير. عند الرجوع الى جميع الشخصيات المذكورة سابقاً، نجد انها شخصيات بارزة ومؤثرة بشكل كبير، جميعها رجعت الى القراءة والتمعن بالقران الكريم، وبالأمم وتجاربها وخبراتها السابقة.

    فهناك الاهتمام والشغف الحقيقي لقراءة الكتب. سنجدها في أعجوبة القرن الحديث “التنين الصيني”. شاهدت طوابير مهولة على مدى البصر تنتظر الدخول للمكتبات العامة. وهده المكتبات تضم ملايين الكتب وتستعمل تقنيات حديثة مثل الأذرع الروبوتية لجلب الكتب خلال ثوان. فحسب الإحصائيات سجلت سنة 2023 طبع أكثر من 180 ألف كتاب جديد من بين مؤلفات وترجمات، وهو رقم يفوق ما تنتجه بعض الدول خلال سنوات طويلة.

    وفي الختام، ونحن على مشارف شهر الخير والبركة، ندعو الله العلى القدير أن يتقبل أعمالنا في شهر رمضان المبارك 2026، وان تكونوا جميعاً بصحة وعافية. وأن يحفظ امتنا الإسلامية والعربية من كل شر، ويعم الخير والرخاء إلى جميع محبي الإنسانية والسلام.

  • أهلًا وسهلًا بالصيام

    أهلاً وسهلاً بالصيام، رمضان شهر مبارك وهو سيد الشهور، مرحباً بضيفٍ عزيز يزور الأرواح فيطهرها ، ويحلّ في القلوب فيعمرها ، “أهلاً وسهلاً بالصيام” ليست مجرد عبارة ترحيب، بل هي إعلان حالة حب ، حبّ لترتيل القرآن في هدوء الأسحار ، وحبّ لاجتماع العائلة على مائدة الإفطار ، وحبّ لذاك السكون الذي يلفّ الروح وهي صائمة عن كل ما يكدّر صفوها.

    أهلاً بشهرٍ تفوح الأرض عطراً بهجةً بقدومه ، ويستبشر البشر بفتح أبواب السماء والجنان ، أهلاً برمضان ، محطة الغسيل الروحي ، وفرصة العمر المتجددة لنبدأ صفحة جديدة مع الله ومع أنفسنا ، أهلاً بمدرسة الصبر ، وبوابة الشكر ، أهلاً بالليالي المباركة ، أهلاً بالقرآن ربيع القلوب، أهلاً بصلاة التراويح، ودعوات الوتر.

    هذا الضيف الكريم الذي يطرق أبوابنا كل عام نفرح ونبتهج جميعاً بقدومه علينا ، ومن السنة أن يبشر بعضنا بعضاً بقدومه فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه رضي الله عنهم بقدوم الشهر ويقول: (جاءكم شهر رمضان، شهرٌ مباركٌ، شهرٌ تُحطُّ فيه الخطايا، ويُجاب فيه الدعاء، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإنَّ الشَّقي مَن حُرم رحمة الله) ، ويقول عليه الصلاة والسلام: (مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، ومَن قامه إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه).

    حين نرحب بالصيام، نحن لا نرحب بموسم عادي أو عادة اجتماعية ، بل نستقبل مدرسة روحية متكاملة تعيد صياغة وبناء الإنسان من الداخل ، وتنزع عنه غبار المادية الذي تراكم طوال العام ، إن الصيام هو “رجيم الروح” الذي يخلصها من سموم الأنانية ، حيث يكسر الإنسان فيه كبرياء نفسه ، ويذوق بمرارة الجوع حقيقة الضعف البشري ، فيشعر بآلام الفقراء والمساكين والمحتاجين ويستشعر قيمة النعم ، هذا الشهر هو زمن “السكينة الكبرى” ؛ ففيه تصمت ضوضاء الدنيا لتتكلم لغة القرآن ، وتكفّ الجوارح عن اللغو لتنشغل بالذكر ، فهو فرصة لاستعادة السيطرة على الذات.

    الصيام هو تدريب عملي على قوة الإرادة ؛ فمن استطاع أن يمتنع عن المباحات من طعام وشراب امتثالاً لأمر خالقه، فهو على ترك المحرمات والآثام أقدر وأقوى ، الصيام ليس حرماناً ، بل هو تحرر من عبودية العادة ، وسفرٌ عميق نحو الذات لتنقيتها مما علق بها من شوائب الغفلة.

    رمضان شهر لزيادة الإيمان وليس شهراً لزيادة الأوزان.

    إن الصيام الحقيقي هو صوم القلب عن العداوة والغل والحقد والحسد وقطيعة الرحم ، وصوم اللسان عن الغيبة والزلل ، وصوم العين عن النظر الحرام ، لتتحول ساعات النهار إلى خلوة مع الله، وساعات الليل إلى معراج سماوي في رحاب التراويح والقيام ، ما أجمل أن تشرق شمس رمضان على أرواحٍ لم تكتفِ بتغيير مواعيد طعامها وشرابها ، بل عقدت العزم على تغيير مسار حياتها ، فتخرج من الشهر بقلبٍ سليم ، ونفسٍ مطمئنة ، وإيمانٍ أشد وثاقاً ،  لتصبح كل لحظة في نهار الصائم تسبيح وتهليل واستغفار ، وكل سجدة في ليله معراجاً نحو السماء ، يا له من فضل عظيم أن يمنحنا الله محطة إيمانية سنوية نغسل فيها قلوبنا ، ونبدأ فيها صفحة بيضاء، ونستلهم من جوعنا قوةً ، ومن عطشنا رياً للإيمان ، فما أجمل أن تشرق شمس رمضان على أرواحٍ عقدت العزم على التغيير، وقلوبٍ امتلأت حباً وشوقاً للقاء الله بقلب سليم.

    اجعل شعارك في هذا العام: “رمضان مختلف” ، لا تجعله مجرد تغيير في مواعيد النوم والأكل والشرب ، بل اجعله حياة لقلبك ، عاهد نفسك على ترك ذنب ، وبدء طاعة ، وجبر خاطر إنسان ، فخير الناس أنفعهم للناس.

    وقفة:

    يا باغي الخير أقبل هذا أوانك لتغتنم القرب وتشدّ الوثاق مع القرآن ، وتجعل من صيامك بوابتك الكبرى نحو العتق والرضوان ، اللهم بلغنا رمضان وبارك لنا فيه ، وأعنّا على صيامه وقيامه على الوجه الذي يرضيك عنا.

  • المعايدات و الهدر المالي

    لم نكن نعرف قديماً عن وجود كثرة المعايدات التي انتشرت في هذا الزمن والتي تكلف بعض القبائل أو بعض الأسر الأموال الطائلة وأصبح هدر هذه الأموال في سبيل أمور ليست أساسية في نمط الحياة المعاصرة.

    ولذلك من المؤلم أن هذه الظاهرة تشكل عبئًا مادياً ولربما يضطر بعضهم إلى اقتراض مبلغ المساهمة في هذه المعايدات وحرمان أسرته من أشياء أساسية بسبب هذه المعايدات التي أصبحت تشكل هاجس لكثير من الناس. 
     
    لقد كانت المعايدات في السابق تأخذ في شكلها الأشياء البسيطة والغير مكلفة بل أن فيها متعة حقيقية بلقاء الأقارب وصلة الرحم والتآلف والتقارب ولقد سمعنا عن بعض المعايدات التي خرجت منها أفكار مثمرة استفاد منها الكثير من الناس بالأضافة أنها كانت مدرسة في تعاليم الأبناء أدب المجالس وفن التعامل مع الضيوف وحسن الأستقبال والضيافة المنضبطة.

    ولذلك من وجهة نظري أن المعايدات في هذا الزمن لا تفي بالغرض الذي يصبو الكثير من الناس إلى تحقيقه لعدة أسباب منها: 

    ١- أن المعايدات ربما تشكل خطر من بعض الناس “أصحاب القلوب المريضة” وهنا أتذكر قصة لأحد الأشخاص يقول ذهبت لمعايدة بعض الأقارب وكان أحد أبنائي من عشاق الخيل وقد استعرض في ركوب الخيل أمامهم وبعد مدة من الزمن سقط من الخيل وانكسرت قدمه والشاهد في هذه القصة أن المعايدات أصبحت بعضها تجمع أصحاب العيون الحارة التي قد تضر ولا تنفع .

    ٢- تشكل المعايدات عبئًا مادياً لكثير من الناس وخاصة أصحاب الدخل المحدود وبعض هذه المعايدات قد تُحمل بعض الأشخاص الديون التي يستمر في سدادها لعدة أشهر. 

    ٣- لقد تغير في هذا الزمن أطباع الناس واختلطت في براثن الصفات السيئة مثل الحسد والحقد والكراهية والمجاملة المزيفة ، لذلك نرى أن بعض المعايدات تأتي بعض الناس إليها وهي غير صافية النية والظاهر في الصورة هي الابتسامة والكلام الطيب ولكن في قلوبهم عكس ذلك فهي تحمل الحقد والكراهية والحسد وتضمر الشر لبعضهم البعض وهذه الصفات السيئة بعيدة كل البعد عن تعاليم الدين الإسلامي الذي أمرنا بإصلاح القلوب حتى تصلح الأعمال. 

    ٤- أن بعض المعايدات يتم المبالغة في تكاليفها الباهظة وقد ذكر لي أحد الأشخاص أنه حضر أحد المعايدات التي  وصلت تكلفتها إلى أكثر من نصف مليون ريال وهذه المبالغ الباهظة تتضمن تكاليف إقامة الحفل وما يلحق به من أمور التنظيم والترتيب وتكاليف الحفلات الشعرية وزد على ذلك الإسراف في الولائم الكثيرة والتي بعضها ينتهى إلى مكب النفايات وهذا النهج يخالف شكر النعمة وحفظها ووضعها في موضعها الصحيح بل أن الشئ العجيب أنه من يدفع تكاليف بعض هذه المعايدات هم من أصحاب الدخل المحدود وبعضهم من الفقراء من خلال ما يسمى (القطات).

    ٥- يلاحظ في بعض المعايدات قيام بعض الأشخاص المتطلفين والمزعجين في أحاديثهم الساذجة وتدخلهم في خصوصية الناس بدون وجهه حق وهذا بحد ذاته يجعل هذه المعايدات تذهب إلى منحى آخر وتولد شعور كراهية حضور مثل هذه الاجتماعات الغير صحية.

    ٦- أنه في الغالب تقوم هذه المعايدات على الجهود السلبية لبعض الأشخاص القاصرين في النظر والحكمة والعقل والذين يضغطون على الناس في جمع الأموال (القطات) لإقامة هذه المعايدات بينما لو بحثنا عن أحوال أقاربهم لوجدنهم في حال الحاجة لهذه الأموال لتوفير الأمور الأساسية لحياتهم وضف على ذلك  أنه لا يتم توضيح ما تم صرفه من هذه الأموال وما تبقى منها بشكل فيه شفافية و وضوح للجميع.

    ٧- قد يلاحظ الجميع أن هذه المعايدات يتم حضور بعض الناس فيها على شكل تكتلات معينة تجمعهم القرابة أو النسب وفي الغالب يحضرون ويجلسون بجوار بعض ويتبادلون أطراف الحديث بعيداً عن الآخرين وهذا يقلل من روح المشاركة والترابط الاجتماعي.

    لقد أصبحت هذه المعايدات التي تكلف الناس مادياً من الحفلات التي عفى عليها الزمن والتي تعيد طريقتها برتابة .

    وضجر يحمل في طياته محاولة التملص والاعتذار من قبل بعض الناس عن حضورها والتي خرج بعضها عن مساره الصحيح وخالف في تحقيق أهدافه ما كان يرجوا الناس أن يكون فعلاً ، لذلك يلزم على المجتمع كافة توعية أفراده وتثقيفهم حتى يتم إدارة مثل هذه المعايدات بطريقة بسيطة وغير مكلفة وبعيدة كل البعد عن الأشخاص الذين يحاولون تحقيق مكاسب شخصية من وراء هذه المعايدات الغير مجدية في العائد والهدف.

  • يايسله الذي أبهرنا بعمله

    ماتياس يايسله المدير الفني للنادي الأهلي السعودي الذي تعاقد معه الأهلي في موسم 2023م لثلاث مواسم هو من مواليد أبريل 1988م والذي جددت إدارة الأهلي معه العقد حتى صيف 2027م مع خيار التمديد لعام إضافي، وكان هذا المدرب قد اعتزل كلاعب بسبب الإصابة التي لحقت به وأتجه للتدريب في مسيرته غير الطويلة حتى وصل للأهلي، وفي أول موسم له 2023/2024م حقق مع الأهلي المركز الثالث في دوري روشن وتأهل لنخبة آسيا رغم تأخر بعض التعاقدات مع اللاعبين وتأخر المعسكر والمشاكل التي واجهها مثل عدم وجود لاعب فئة A كبقية أندية الصندوق، ومثله كمثل أي مدرب كانت له بعض الأخطاء والتجارب مع اللاعبين التي لم تكن في طموح بعض الأهلاويين،

    وكنت أنا شخصياً ممن انتقد يايسله لكنني والحمد لله لم أطالب أبدا بإقالته رغم خروجه من كأس الملك من أبها في الموسم الأول وخروجه في الموسم الثاني من الجندل في نفس البطولة التي يتميز بها الأهلي، إلا أن هذا المدرب حلَّق بالأهلي في سماء قارة آسيا بعد فترة قصيرة بتحقيق بطولة النخبة الآسيوية بكل جدارة واستحقاق دون هزيمة بعد فوزه على الهلال السعودي وكاواساكي الياباني وكان يثق في نفسه ثقة كبيرة بأنه سيسير بالأهلي إلى أبعد الحدود وأحدث نقلة نوعية في أداء الأهلي الذي يعتمد على الأسلوب الهجومي المتوازن والانضباط التكتيكي والوصول لمرمى المنافسين من أقصر الطرق خاصة الكرات الطويلة واستغلال قوة الأجنحة التي يمتلكها كمحرز وجالينو.

     والهدوء الذي يسبق العاصفة بسبب اعتماده على فئتين في الفريق، الفئة الأولى هي لاعبي الخبرة أمثال ميندي ومحرز وكيسيه وآيبانيز وديميرال وجالينو والبريكان وتوني والثانية هي لاعبي الشباب الحماسيين أمثال مجرشي وزكريا هوساوي وأتانغانا وغونسالفيس وإنزو ميو وزياد الجهني وريان حامد ومحمد سليمان وصالح أبو الشامات ومحمد عبدالرحمن والصانبي وأستطاع تطوير أداءهم وتسخيره للفريق وكان سبباً رئيساً في انضمام أغلب المحليين للمنتخب السعودي.

    لم يكتفِ يايسله ببطولة النخبة وشارك كضيف شرف في كأس السوبر لهذا الموسم 2025/2026م رغم اعتراض بعض الأهلاويين، وحقق اللقب وهو الثاني في تاريخ الأهلي بعد هزيمة القادسية والنصر، بل وأصبح من المنافسين الأقوياء على ثلاث جبهات قوية جدا هذا الموسم 2026م وهي النخبة الآسيوية ودوري روشن وكأس الملك السعودي بفريق أصبح الإبداع عنوانه في الملعب مع الهدوء وعدم الاستعجال ودراسة المنافسين والإجهاز عليهم خاصة في الشوط الثاني، بل وأثبت يايسله قوة فريقه في فترة البطولة الأفريقية التي فقد فيها ثلاثة من أهم لاعبيه المؤثرين ميندي وكيسيه ومحرز وحقق فيها انتصارات على المنافسين أهمها مباراتي النصر والتعاون وبنقص كبير من واقع سياسة يايسله في تجهيز دكة البدلاء خاصة في حالات الإصابات والإيقافات وخلق تشكيله رائعة من اللاعبين تتميز بالانسجام والتفاهم والتناغم وسخر كافة الأدوات التي يملكها لمصلحة الفريق واستمرار نغمة الانتصارات والتقدم بقوه لكل البطولات من واقع حسن التعامل مع اللاعبين والتدوير والتعامل الذكي مع ضغط المباريات وتداخل البطولات، بل وتخصيص بعضاً من وقته للجماهير والتواصل معهم عبر رابطة مشجعي الأهلي المميزة.

    لا أملك في ختام هذا المقال إلا أن أرفع عقالي لهذا المدرب الشجاع الذي صبر على الانتقادات وتحمل المشاكل التي واجهها في البداية وكافح من أجل التخطيط لمشروعة طويل المدى مع الأهلي من واقع التعاقد مع بعض اللاعبين الشباب من الأجانب والمحليين وانتزاع إبداعاتهم في الملعب ومساهمته الكبيرة في عودة فرقة الرعب الأهلاوية لسابق عهدها، وأنه المدرب الأهم في تاريخ النادي الذي حقق مع الأهلي بطولة النخبة الآسيوية دون هزيمة بعد ثلاث نهائيات كانت فيها الثالثة ثابتة، مع خالص شكري وتقديري واحترامي لإدارة الأهلي التي بادرت لتجديد عقد يايسله والحفاظ على استقرار الفريق ومكتسباته من اللاعبين الأجانب والمحليين. 

  • الحب في سلة التسوق

    في ظلّ الطفرة الرقمية وهيمنة السوشال ميديا على تفاصيل حياتنا اليومية، هناك تطبيقات تسللت إلى البيوت و أصبحت وبال على المجتمعات    و لم تعد  مجرد  أدوات تواصل عادية بل تحولت  إلى ظاهرة اجتماعية تفرض نفسها بصمت ، فبين سهولة الاستخدام وسرعة الانتشار يبرز خطر حقيقي يتجاوز حدود الفرد ليطال القيم والعلاقات ونسيج المجتمع ما يطرح تساؤلاً  ملحاً حول الثمن الذي ندفعه مقابل هذا النوع من التعارف السريع.
    (تطبيقات التعارف)
    انتشرت أنتشار النار في الهشيم متجاوزة حدود الفئات العمرية والحواجز الثقافية وحتى التحفظات  الاجتماعية التي كانت إلى وقت قريب تشكل  خط دفاع أول أمام هذا النوع من العلاقات ، أصبحت تقدم لنا  عبر السوشال ميديا على انها  وسيلة بريئة للتعارف أو حل عصري لمشكلة الوحدة  وحقيقتها  أنها  تحمل في طياتها  خطراً حقيقياً  يتجاوز الأفراد ليطال بنية المجتمع نفسه.
    والخطر الأكبر في تطبيقات التعارف لا يكمن فقط في انتشارها الواسع بل في النوع من العلاقات التي تُطبع وتطبع لإستساغتها حتى يصبح الأمر  عادياً والحقيقة التي لايمكن تجاوزها  أنها   لا تروج  للارتباط الجاد بقدر ما تفتح الباب على مصراعيه لما يمكن وصفه بالصداقات غير المشروعة علاقات رمادية بلا إطار أخلاقي واضح وبلا مسؤولية وبلا التزام ، علاقات تبدأ بالمحادثة ثم تتطور تدريجياً حتى تجاوز الخطوط الحمراء .
    هذه التطبيقات لا تفرض الصداقة غير المشروعة مباشرة  لكنها تهيء لها البيئة .
    المناسبة من التطبيع الصامت حتى تتآكل الحدود الأخلاقية تدريجياً دون صدمة ودون مقاومة حقيقية.
    الخاتمة
    هذه التطبيقات تبيع وهم الحرية و تضعف القيم  والالتزام  وربما يدخلها الداخل بدافع الفضول  أو التسلية ولكن نتائجها مأساوية فغالباً  ما تخلف وراءها خسائر عميقة تفكك أسر خيانة ثقة اضطراب نفسي وشعور دائم بالذنب أو القلق.